الشوكاني

215

فتح القدير

لما ذكر سبحانه حكم فريقي الكافرين في جواز البر والإقساط للفريق الأول دون الفريق الثاني ذكر حكم من يظهر الإيمان ، فقال ( يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات ) من بين الكفار وذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما صالح قريشا يوم الحديبية على أن يرد عليهم من جاءهم من المسلمين ، فلما هاجر إليه النساء أبى الله أن يرددن إلى المشركين ، وأمر بامتحانهن فقال ( فامتحنوهن ) أي فاختبروهن . وقد اختلف فيما كان يمتحن به ، فقيل كان يستحلفن بالله ما خرجن من بغض زوج ولا رغبة من أرض إلى أرض ولا لالتماس دنيا بل حبا لله ولرسوله ورغبة في دينه ، فإذا حلفت كذلك أعطى النبي صلى الله عليه وآله وسلم زوجها مهرها ، وما أنفق عليها ولم يردها إليه ، وقيل الامتحان هو أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، وقيل ما كان الامتحان إلا بأن يتلو عليهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الآية ، وهي - يا أيها النبي إذا جاءك المؤمنات - إلى آخرها . واختلف أهل العلم هل دخل النساء في عهد الهدنة أم لا ؟ على قولين ، فعلى القول بالدخول تكون هذه الآية مخصصة لذلك العهد ، وبه قال الأكثر . وعلى القول بعدمه لا نسخ ولا تخصيص ( الله أعلم بإيمانهن ) هذه الجملة معترضة لبيان أن حقيقة حالهن لا يعلمها إلا الله سبحانه ولم يتعبدكم بذلك ، وإنما تعبدكم بامتحانهن حتى يظهر لكم ما يدل على صدق دعواهن في الرغوب في الإسلام ( فإن علمتموهن مؤمنات ) أي علمتم ذلك بحسب الظاهر بعد الامتحان الذي أمرتم به ( فلا ترجعوهن إلى الكفار ) أي إلى أزواجهن الكافرين ، وجملة ( لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن ) تعليل للنهي عن إرجاعهن . وفيه دليل على أن المؤمنة لا تحل لكافر ، وأن إسلام المرأة يوجب فرقتها من زوجها لا مجرد هجرتها ، والتكرير لتأكيد الحرمة ، أو الأول لبيان زوال النكاح ، والثاني لامتناع النكاح الجديد ( وآتوهم ما أنفقوا ) أي وأعطوا أزواج هؤلاء اللاتي هاجرن وأسلمن مثل ما أنفقوا عليهن من المهور قال الشافعي : وإذا طلبها غير الزوج من قراباتها منع منها بلا عوض ( ولا جناح عليكم أن تنكحوهن ) لأنهن قد صرن من أهل دينكم ( إذا آتيتموهن أجورهن ) أي مهورهن ، وذلك بعد انقضاء عدتهن كما تدل عليه أدلة وجوب العدة ( ولا تمسكوا بعصم الكوافر ) قرأ الجمهور " تمسكوا " بالتخفيف من الإمساك ، واختار هذه القراءة أبو عبيد ، لقوله - فأمسكوهن بمعروف - وقرأ الحسن وأبو العالية وأبو عمرو بالتشديد من التمسك ، والعصم جمع عصمة ، وهي ما يعتصم به ، والمراد هنا عصمة عقد النكاح . والمعنى أن من كانت له امرأة كافرة فليست له بامرأة لانقطاع عصمتها باختلاف الدين . قال النخعي : هي المسلمة تلحق بدار الحرب فتكفر ، وكان الكفار يزوجون المسلمين ، والمسلمون يتزوجون المشركات ، ثم نسخ ذلك بهذه الآية وهذا خاص بالكوافر المشركات دون الكوافر من أهل الكتاب . وقيل عامة في جميع الكوافر مخصصة بإخراج الكتابيات منها ، وقد ذهب جمهور أهل العلم إلى أنه إذا أسلم وثني أو كتابي لا يفرق بينهما إلا بعد انقضاء العدة . وقال بعض أهل العلم : يفرق بينهما بمجرد إسلام الزوج ، وهذا إنما هو إذا كانت المرأة مدخولا بها ، وأما إذا كانت غير مدخول بها فلا خلاف بين أهل العلم في انقطاع . العصمة بينهما بالإسلام إذ لا عدة عليها ( واسألوا